الاثنين، 3 ديسمبر 2012

"طبيب في المنزل

من يصنع من؟! هل تنجب الأمم العظيمة قادة كبار, أم أن الزعماء العظماء هم الذين يصنعون المجد لشعوبهم ويرفعوا من قدرها ويدفعوا بها إلى مكانة متقدمة بين الأمم؟ ليس سهلاً بالطبع الإجابة في عجالة على سؤال بهذا العمق فهي ليست مسألة رياضية, ولكنها قضية من صميم مشاغل علم الإجتماع البشري عني بها المفكرون والباحثون طويلاً واختلفوا حولها كثيرا, كما أن الإجابة تخضع للكثير من المعطيات المتغيرة والظروف والملابسات الموضوعية المحيطة بكل حالة على حدة.
ولكن مع ذلك ما من شك أن التاريخ والحاضر أيضاً يحدثان أن هناك قلة من القادة عبر العصور هم الذين استطاعوا أن يحدثون تحولاً جذرياً في حياة شعوبهم ويغيروا واقعها من حال البؤس والتخلف إلى حال النهوض والإزدهار, وللمفارقة ينطبق الأمر أيضاً على قادة فعلوا العكس تماماً فشلوا حتى في الحفاظ على حال أوطانهم فأزروا بها وأسلموها إلى مزيد من التراجع والتقهقر.
من بين قادة عظماء معدودين رفيعي الشأن برزوا في القرن العشرين يطل الدكتور محاضر بن محمد, الزعيم المبرز الذين نجح خلال عقدين فقط من تحويل ماليزيا من بلد مغمور متواضع يعتمد بالكامل على اقتصاد زراعي محدود الآفاق إلى اقتصاد صناعي حديث أهلت قوته ماليزيا لاحتلال مكانة سابع عشر أكبر اقتصاد عالمي.
ولكن ذلك لم يحدث بدون أن يكون مثيراً لجدل كبير حول شخصية الدكتور محاضر, إن كان ديكتاتوراً أم زعيماً ملهماً, فالغربيون يصفونه بأنه متسلط, عنصري, معاد للسامية ومغرور, وعلى الجهة المقابلة ينظر إليه في العالم النامي بحسبانه بطلاً ذو رؤية ثاقبة وقدرة قيادية فعالة وصاحب نموذج ناجح يستحق أن يُحتذى, ومنح الناس في العالم الثالث سبباً للفخر, والمفارقة أن عتاة منتقديه لا ينكرون عليه أنه صاحب القوة الدافعة وراء النهوض الماليزي المشهود.
حين وجدت كتاباً ضخماً يحمل غلافه صورة الدكتور محاضر مبتسماً يحتل مقدمة الكتب المنشورة حديثاً المعروضة في واجهات المكتبات في كوالا لمبور, اعترف أنني ترددت قليلاً في اقتنائه على الرغم من ولعي بتتبع سيرة هذا القائد المحنك الذي منح نموذجه في الحكم الأمل لشعوب الدول المهملة في إمكانية النهوض من عثراتها متى ما حباها الله زعماء من هذا الطراز عالي الهمة, بعيد النظر, كبير النفس, وقلت في نفسي ما الجديد الذي يمكن أن يقوله, فقد قرأت معظم كتبه بعد أن التقيته في العام 1998 بمكتبه وأدرنا معه, ضمن ثلة من الصحافيين العرب, حواراً واسعاً حول أفكاره وتجربته, وقادني الإعجاب به إلى الحماسة للإشراف على ترجمة ونشر اثنين من أهم كتبه, اخترت للكتاب الأول له اسم "المستقبل المسروق" في طبعته العربية المترجمة من الكتاب الصادر باللغة الإنجليزية تحت اسم "صدمة جديدة لآسيا" الذي روي فيه قصة هجمة تجار العملات الدوليين على اقتصاد النمور الآسيوية في العام 1997 وأصابوها في مقتل بالمضاربة في أسعار عملاتها حتى انهارت جميعاً كحجارة الدومينو, وهو ما اعتبره الدكتور محاضر محاولة لسرقة مستقبل دول جنوب شرق أسيا المزدهرة, وحكى في الكتاب كيف استطاع انقاذ بلاده, وانقاذ رصيده في وقت كان يتأهب فيه للتقاعد.
أما الكتاب الثاني فاخترت لطبعته العربية عنوان "كيف تبني أمة" والذي كان عنوانه في الطبعة الاصلية "الطريق إلى الأمام" والذي يروي فيه تفاصيل  أزمة الصدامات العرقية التي شهدتها ماليزيا في العام 1969, بسبب احساس الملايو باستمرار تخلفهم الاقتصادي أمام هيمنة الماليزيين الصينيين حتى بعد أكثر من عقد من الاستقلال, وكان نتيجة تلك الأزمة الخطيرة إطلاق الدولة ل "السياسة الاقتصادية الجديدة" التي هدفت إلى تبني سياسية تمييز إيجابي لصالح السكان الأصليين من فائض التنمية لترفع نسبة مساهمتهم في الاقتصاد الوطني من أقل من نحو سبعة بالمائة إلى ثلاثين بالمائة في غضون عشرين عاماً, ودون أن يكون ذلك خصماً على الوضع الاقتصادي المتميز للصينيين الماليزيين.
وقلت لنفسي ما الذي يمكن أن يضيفه الدكتور محاضر بعد أن ترك السلطة طواعية قبل ثمانية أعوام, بعد اثنين وعشرين عاماً قضاها رئيس منتخباً لوزراء بلاده؟, وكنت سأرتكب خطأً جسيماً لو لم ينتصر على أخيراً فضولي فقررت اقتناء الكتاب الجديد الذي اختار له مؤلفه اسماً لافتاً "طبيب في المنزل" وعنوان فرعي "مذكرات تُن د. محاضر محمد", والإشارة هنا بالطبع إلى تقاعده السياسي وعودته إلى سيرته الأولى "طبيباً" متقاعداً أيضاً. فالدكتور محاضر المولود في العام 1925 تخرج في كلية الطب بجامعة الملايا بسنغافورة في العام 1953, على الرغم من ولعه بالسياسة وانخراطه مبكراً بالمنظمة الوطنية للملايو المعروفة اختصارا ب"أمنو" منذ تأسيسها في العام 1946, مارس مهنته طبياً في المستشفيات الحكومية لعامين فقط لينصرف بعدها لممارسة الطب في عيادته الخاصة حتى العام 1964 عند انتخابة نائباً برلمانياً للمرة الأولى.
في مقدمته لكتابه "طبيب في المنزل" تساءل الدكتور محاضر متشككاً إن كان سيكون مقروءاً, وعلق قائلاً إنه متأكد من أنه يستحق القراءة, ولكن مع ذلك قال إنه شكوكه باقية, وسبب الظنون التي ساورت الدكتور محاضر حول مقروئية مذكراته تعود إلى ضخامة حجم الكتاب الذي تبلغ عدد صفحاته أكثر من ثمانمائة صفحة من القطع الكبير.
ومن المؤكد أن الدكتور محاضر مخطئ في ظنه, فما أن تشرع في قراءته  حتى تعجز عن الانصراف عنه لاية قراءة آخرى حتى تتمه, فعلى مدار اثنين وستين فصلاً والثمانمائة صفحة نثر الزعيم المعروف عصارة تجاربه وخبراته فجاءت مذكراته غنية بالدروس والعبر والأحداث, تحدث بشفافية كاملاً عن نشأته الأولى, وعن تكوينه, وخلفيته العرقية, أحلامه وإحباطاته, معاركه السياسية, انتصاراته, هزائمه, نجاحاته, إخفاقاته, وأورد الاتهامات الموجهة له بممارسة التسلط والديكتاتورية, والمحسوبية واتهام أبنائه بالفساد ورد عليها, باختصار تحدث عن كل شئ بشجاعة ووضوح, وقال آرائه في الجميع, وأظنه كان منصفاً إلى حد كبير, انتقد خصومه بشدة لكنه في الوقت نفسه أقر لهم أيضاً بميزاتهم ونجاحاتهم.
وخلافاً لكثير من الزعماء والقادة المرموقين الذين لا تمتد مواهبهم إلى عالم الكتابة ولذلك يستعينون بكتاب محترفين عند الحاجة للتعريف بأفكارهم أو كتابة مذكراتهم, فإن الدكتور محاضر يمتلك ناصية القلم وعُرف بأسلوبه السلس والقوى أيضاً في التعبير عن أفكاره ومواقفه, ولذلك فهو يكتب مؤلفاته بنفسه إذ أنه ليس غريباً على صنعة الكتابة, فهو من أرباب القلم حيث مارس الكتابة الصحافية منذ وقت مبكر من حياته بل كانت مصدراً إضافياً لدخله عندما كان يكتب بانتظام في صحيفة "ستريت تايمز" إبان دراسته للطب بسنغافورة أواخر أربعينيات ومطلع خمسينيات القرن الماضي, كما اشتهر بكتابه "مأزق الملايو" الذي ألفه عقب طرده من حزب "أمنو" في العام 1969 بسبب انتقاداته العلنية لزعيم الحزب حينها, وأول رئيس وزراء ماليزي, تُنكو عبد الرحمن.
يصف الدكتور محاضر مذكراته بأنها "قصة ماليزيا كما أراها, ولكنها أيضاً قصتي", ويشرح التحولات الكبرى التي شهدتها بلاده وأدت لنهضتها والمكانة التي تبوأتها عالمياً, لكنه يقول بتواضع "لعبت بعض الدور في كل ذلك, ولكن سيكون إهمالاً مني لا يمكن غفرانه, إن لم أرد الفضل لإسهام من سبقوني في القيادة ودورهم في ظاهرة التقدم الماليزي, لقد وضعوا الأساس, وكل ما فعلته أنني بنيت عليه", ويمضي قائلاً في وفاء نادر لا يملكه إلا ذوي النفوس الكبيرة "بدون رؤيتهم وحكمتهم العميقة كانت مهمتي ستكون أصعب بكثير", ويقول إنه يكتب عن حكمة الأباء المؤسسين الذين ابتدعوا نظاماً سياسياً خلاقاً مكن ماليزيا بديمقراطية وبسلام من حل مشاكلها والتحديات التي واجهتها في مجتمع معقد التركيب.
يكتشف القارئ من خلال مذكرات الدكتور محاضر أن النهضة التي حققتها ماليزيا لم تأت إعتباطاً, ولا خبط عشواء, كما لم تصنعها مجرد رفع شعارات فارغة ولا أمان كذوب لا يسندها فكر عميق ولا رؤية ثاقبة ولا عمل جاد دؤوب, وأهم من ذلك قيادة عالية الهمة, حية الضمير, مترفعة عن الصغائر, تتمتع بالمسؤولية الأخلاقية والوطنية.
واستميح القراء الكرام أن يأذنوا لي بالخروج مؤقتاً من أجواء "الجوطة السياسية" التي كنا ولا نزال نعيشها منذ أطلق السياسي الراحل صاحب الجمرات الأستاذ محمد توفيق تصريحه الشهيرة "خرجت من الجوطة" مبرراً استقالته من منصب وزير الخارجية الذي كان يشغله في آواخرالثمانينيات, أن يأذنوا بالمواصلة في استعراض مذكرات الدكتور محاضر التي تقدم دروس مجانية في فن القيادة, ولا شك أن هناك كثيرون معجبون بالنموذج الماليزي ويودون أن ينقلوه إلى هنا, ولكنهم في الغالب رأوا ثمراته ولكن ربما لم يجدوا الفرصة أو الصبر على سبر أغواره, "وما ينبئك مثل خبير" ومن هو أولى من تُن محاضر ليكشف اسرار المعجزة الماليزية.
 

الفراغ العريض

حدث تقسيم السودان أمر جلل, إن لم نقل كارثة وطنية بكل المقاييس, له ما بعده بلا شك إذ لا يزال في طور التفاعل مع المعطيات المستجدة وسيمر وقت يطول أو يقصر حتى تستبين حدود ومعالم التوازنات والتغييرات الاستراتيجية التي سيخلفها على الصعد كافة جيوسياسياً واقتصادياً واجتماعياً تطال آثاره العميقة الطرفين المنقسمين, كما تمتد إلى دول الإقليم وإلى المنطقة ككل.
وتفترض دواعي المنطق والحكمة أن حدثاً بهذا الحجم والتأثير الجذري العميق والمحتوم على مستقبل أوضاع البلاد أن تتداعى الجماعة الوطنية إلى حراك سياسي غير مسبوق يسبر أغوار أسباب الأزمة الحقيقية في النظام السياسي والاجتماعي والاقتصادي السوداني التي أدت بعد أكثر من نصف قرن من الاستقلال إلى هذه النتيجة المفجعة تقسيم البلاد وفتح الطرق أمام تفتيتها بالكامل, والاستفادة من عظات وعبرات هذا الدرس القاسي في استعادة الوعي والضمير الحي والتضحية الجسورة للعبور إلى مشروع وطني جديد جامع لا يقي البلاد من المزيد من التشرذم فحسب, بل يفتح كوة أمل أمام إنطلاقة جديدة.
بيد أن ما يجري على المسرح السياسي في الخرطوم لا يشي بأن أي شيئاً من هذا يحدث على الإطلاق, لقد كان الظن أن صدمة التقسيم ستكون صاعقة بدرجة تكفي لأن تقتنع الطبقة السياسية على امتداد طيفها بأن الوقت قد حان, ولو متأخراً وبعد أن دفعت البلاد هذا الثمن الباهظ, لأن تتواضع بعض الشئ وتعكف على مراجعة جذرية لمواقفها وحساباتها وتقدم بشجاعة على إطلاق بداية جديدة حقيقية وفعلية لمشروع وطني, ظل مفقوداً, قادر على مخاطبة التحديات الراهنة ويضع أسس متينة لنظام سياسي ديمقراطي سداته الحرية, والعدالة, واحترام التنوع وكفالة حقوق الإنسان, والنزاهة وتكافوء الفرص والمساءلة والمحاسبة.
ولكن نظرة واحدة على المشهد السياسي السوداني خلال الأسابيع الماضية منذ الإعلان رسمياً عن قبر حقبة "السودان الموحد" تكفي ليرتد إليك بصرك حسيراً, لا شئ مما تظن أن الشروع فيه عاجلاً بحسبانه أمر بدهي يحدث على الإطلاق, فالطبقة السياسية, في الحكم والمعارضة, تعاطت ببرود تحسد عليه مع هذه الكارثة الوطنية ولم يتعد تفاعلها معه أكثر من تعليقات سطحية عابرة مما درج أن يتداوله غمار الناس في مجالس المدينة, لا تصح ولا تصلح أن تكون هي سقف مواقف من يتحملون مسؤولية الحكم أوالمعارضة في مثل هذه اللحظة التاريخية الحاسمة ويعول عليهم أن يكونوا الطليعة التي تأخذ بيد مواطنيها إلى بر الأمان.
إن أكبر خطر يهدد البلاد في هذه اللحظة التاريخية الفارقة, وينذر بذهاب ريحها وتشرذم وتفتت ما تبقى منها, حالة الفراغ العريض السائدة حالياً بسبب عجز الطبقة السياسية المستشري, وهي حالة فريدة من العجز السياسي والفراغ القيادي غير مسبوقة, فلا حزب المؤتمر الوطني الممسك بسدة السلطة قادر على تحمل مسؤولية الحكم والقيام بواجباته, ولا أحزاب المعارضة بشتى أشكالها قادرة على تحمل أعباء المعارضة والنهوض بدورها والعمل بجدية لتكون بديلاً موضوعياً جاهزاً لحزب حاكم شاخ في السلطة وترهل وأرهق ولم يعد لديه ما يقدمه, ولا سبب يبقيه ممسكاً بتلابيب الحكم إلا ضعف معارضيه وهزال دورهم.
ويزيد حالة الفراغ العريض هذه ضغثاً على إبالة ضعف دور مؤسسات المجتمع المدني والأهلي وغالب جمهور المواطنين في ممارسة الضغوط الضرورية على الطبقة السياسية لحملها على تغيير نهجها وسلوكها وتعاطيها بمسؤولية مع الهموم الوطنية الملحة والارتقاء إلى مستوى تحديات اللحظة التاريخية الحاسمة التي يواجهها السودان في الوقت الراهن, ولا يجب أن تكتفي غالبية قوى المجتمع بدور سلبي يقتصر على الفرجة, أو التحسر في أحسن الأحوال, على المشهد العبثي الممتدة فصوله في السيرك السياسي, وتنتظر أن يحدث التغيير والإصلاح بضربة لازب على يد طبقة سياسية متكلسة ومتهالكة لم تنس شيئاً, ولم تتعلم شيئاً حتى بعد وقوع هذه المأساة الوطنية كآخر دليل على مدى العجز الذي وصلت إليه.
ما يحتاجه السودان لينهض من تحت براثن هذه السقطة والخيبة الوطنية الكبرى أعظم شأناً, وأعمق بعداً, وأوسع مدى بكثير مما تحاول الطبقة السياسية, في الحكم والمعارضة, الإيحاء بأنها تزمع الإقدام عليه من أجل الخروج من هذا الوضع المأزقي, وكلا الطرفين لا يبدو أنه معني بأكثر من الفوز في معركة التشبث بالسلطة بأي ثمن, أو الوصول إليها بأية وسيلة.
فالمؤتمر الوطني الحاكم, الذي اجتهدت نخبته لدفع الأمور بإتجاه تقسيم البلاد ظناً منها أن ذلك سيخلي لها جو السلطة صافياً من عنت من ينازعونها الشراكة فيها, وقف حمارها في العقبة فلم تحر ما تفعل بعد أن ذهب الجنوب في حال سبيله, مكتفية بإطلاق شعار هلامي "الجمهورية الثانية" التي لا يعرف لها أحد معنى ولا مبنى غير وعود مبهمة.
وفضلاً عن أنه مجرد كلام فضفاض يطلق للاستهلاك السياسي ليس هناك من دليل أن مصيره سيكون بأفضل مآلاً من تلك الشعارات التي تفنن الحكم الحالي في تسويقها عبثاً مثل "المشروع الحضاري" وغيره التي لم نعرف لها صرفاً ولا عدلاً. فإن هذا الشعار "الجمهورية الثانية" يكشف عن حالة الإفلاس الفكري والخواء السياسي وفراغ جعبة الحزب الحاكم حتى عن تقديم لافتة جديدة للمرحلة المقبلة, فاضطر إلى استلاف هذا التعبير الذي سبق إلى استخدامه الزعيم الراحل جون قرنق في كلمته في الاحتفال بتوقيع اتفاقية السلام الشامل بنيروبي معتبراً الاتفاقية بمثابة تدشين ل"الجمهورية الثانية".
والمسألة أكبر من مجرد أزمة مصطلح, فهي في الواقع تكشف إلى اي مدى لم يعد من بيدهم السلطة يملكون مشروعاً سياسياً للحكم اللهم إلا إذا كانوا يحسبون التشبث بكراسي السلطة بأي وسيلة مشروعاً سياسياً في حد ذاته, وما التخبط الذي نشهده على مستوى صانعي القرار السياسي إلا دليلاً على حالة إرهاق غير خلاق تعيشه الطبقة الحاكمة, فما يبرمه مسؤول كبير ينقضه من هو أعلى منه في اليوم الذي يليه ثم تمضي الأمور وكأن شيئاً لم يكن, تجتاح أبيي بقوة السلاح ثم تسلمها في اليوم التالي لقوة أجنبية لتبين حالة إدمان غير مسبوقة للتدخلات الخارجية, فُصل الجنوب وقيل أن ذلك تضحية وثمن لاستدامة السلام, لتندلع حرب آخرى في الجنوب الجديد حتى قبل أن يبرأ جرح الجنوب القديم, ولن تجدي التبريرات أو التهوين من شأن الحرب الحقيقية التي بات يدور رحاها في جنوب كردفان, فقد قيل مثل ذلك من قبل في شأن دارفور حتى غدت ما نعرفه اليوم وأعيت أزمتها من يداويها رغم كل الاتفاقيات التي وقعت, ويبلغ الاضطراب مداه في ما نشهده من سوء الأداء الحكومي وتدنيه في إدارة شؤون الحكم ورعاية مصالح المواطنين, ولا يمكن لنظام حكم أن يمضي أكثر من عقدين في السلطة في إدارة أزمات لا تنتهي, كل أزمة تجر معها آخرى حتى بات أمر الحكم في السودان عجباً وبدعاً بين الأمم.
لقد حان الوقت لتدرك الطبقة السياسية, في الحكم والمعارضة, وقوى المجتمع المدني والأهلي الحية, أن نواميس الكون لا تعرف الفراغ, واستمرار الحلقة المفرغة الحالية لن تورث إلا فوضى لن تبقي ولا تذر, وما من سبيل للخروج من ذلك إلا بتغيير حقيقي يقدم عليه الجميع, ومسؤوليته لا تعفي أحداً, فلا الحكم يستطيع الاستمرار في سلطته وهو في هذه الحالة المنكرة من انعدام الرؤية والفاعلية السياسية وتحمل مسؤولية الحكم, ولا المعارضة تستطيع الزعم أنها تمثل بديلاً ناجعاً وحالها ليس أقل بؤساً ممن بيدهم الأمر, وقوى المجتمع لا تستطيع الوقوف متفرجة تنتظر أن تمطر السماء سلاماً واستقراراً.

Joomla Templates and Joomla Extensions by ZooTemplate.Com

عندما يعيد الواقع المأزوم لا التاريخ نفسه

ذهب جدل علماء الإجتماع البشري وكبار مفكري المؤرخين مذاهب شتى في الجدل حول نظرية "إعادة التاريخ لنفسه" أو تكرار أحداث التاريخ على تعاقب الحقب الإنسانية, وتباينت تفسيراتهم لهذه الظاهرة, إلا أنهم اتفقوا جميعاً على أمر واحد أن الحكمة تهدي اللاحقين للتعلم من دروس الماضي والاستفادة منها للعمل من أجل مستقبل أفضل, والفشل في تدبر السوابق من أجل استخلاص العبر والعمل بمقتضى ذلك تحسباً للعواقب يكشف عن خلل خطير في إدارة شأن الدول لا تلبث أن تدفع الأمم ثمناً باهظاً للغفلة عن عظات التاريخ, ولئن ذهب مارك توين إلى القول بأن "التاريخ لا يعيد نفسه, ولكن بعضه يقتفي أثر بعض", فإن برنارد شو يعتقد أنه "إذا كان التاريخ لا يعيد نفسه, وأن غير المتوقع يحدث دائماً, فإن ذلك يكشف إلى أي مدى يبلغ عجز الإنسان الذي لا يستطيع التعلم من التجربة".
هذا عن التاريخ, الذي يعتقد بعض مفكريه أن دائرة تكراره تحدث مرة بعد كل ثلاث حقب أو مراحل, أي بعد أن يكون مضى زمان طويل قد يكون كافياً لينسى من لا يتعظون من عبر حوادث الدهر, فما بالنا نعيد إنتاج أزمتنا الوطنية ودروس تجاربنا لا تزال حاضرة وماثلة أمام أعيننا لم تبارح بعد محطة الواقع المأزوم المشهود ولم تختبئ بعد في تلافيف ذاكرة خربة حتى يلفها النسيان وتحتاج لاجتهاد وكد لتذكرها والاعتبار بها, ويبدو أن حالنا أصبح في عداد من نعى عليهم القرءان الكريم عدم الاتعاظ ليس بعبر التاريخ والماضي البعيد, بل عدم التعلم حتى من سقطات الحاضر والواقع المعاش, ويقول عز من قائل "ألا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون", ودعك مما يقوله المؤرخون فما من كتاب مثل كتاب الله العزيز حض على تدارك أسباب هلاك من سبق من الأمم, وقد احتشدت آياته بسيرتها وعظات تجاربها.
والغرق في تفاصيل ما يحدث في النيل الأزرق, وفي ما لا تزال تداعياته تجري في جبال النوبة,  لا يغني عند النظر للرؤية الكاملة في قراءة  مشهد الحالة الوطنية فيما نحن مقبلون عليه, وبغض النظر عن الأسباب والمبررات التي سيقت لتفسير الوقائع المجردة ومجريات الأحداث والتطورات العسكرية التي قادت إليها, فإن النتيجة العملية والواقعية لذلك هو أن ما تبقى من دولة السودان, بعد التقسيم وفصل الجنوب, وقع في فخ الحرب الأهلية مجدداً بأسرع مما كان يظن حتى أكثر الناس تشاؤماً, وهو على أية حال لم يكن مستبعداً أصلاً وقد حذر المحللون من حدوثه, ولم يكن الأمر مجرد تكهنات سياسية فقد كانت أكثر المواقف تحسباً لهذه الحالة الراهنة ما توقعه الرئيس عمر البشير حين أعلن في تصريح عميق الدلالة قبل أشهر من نهاية الفترة الانتقالية لاتفاقية السلام الشامل من أن أسوأ السيناريوهات المحتملة أن ينفصل الجنوب, ولا يتحقق السلام وتعود البلاد إلى المربع الأول, مربع الحرب, وما أدراك ما الحرب.
ولذلك ليست بذي نفع ولا تجدي كثيراً التصريحات الرسمية المتواترة التي تحاول إثبات ما لا يحتاج إلى إثبات أصلاً لتبرير المواجهات العسكرية التي اندلعت في ولاية النيل الأزرق وقبلها في جبال النوية, إذ لا حاجة أصلاً للتحجج بالتنقيب في نيات ما كانت تنطوي عليه سرائر الحركة الشعبية لإيجاد ذرائع سياسية لما حدث, فالحركة الشعبية لم تعلن أبداً أنها تخلت عن مشروعها السياسي لتغيير خريطة الدولة المركزية السودانية حتى وهي تظفر بجنوب السودان خالصاً, ولئن فهم البعض هنا وروجوا لما زعموا من أن فصل الجنوب سيكتب السطر الأخير في مأساة عدم الاستقرار التي عاشتها البلاد منذ ما قبل حقبة الاستقلال, وسينهي الحروب الأهلية بجرة قلم, وسينعم ما تبقى من السودان بصفاء العرق والدين خالصاً من شركاء متشاكسون, لئن أغرقوا أنفسهم والبلاد والعباد في هذا الوهم اللذيذ الذي لا يدرك شيئاً في سياسة الأمم, ولم يفتح الله عليهم بشئ في باب نظريات الأمن القومي للدول فتلك هي خطئتهم التي لا تغتفر, وليس بأي حال خطأ ولا ذنب الحركة الشعبية التي ليس من مسؤوليتها بث الوعي السياسي عند خصومها, والواقع أن بعض قادة الحركة الشعبية الشماليين أعلنوا صراحة وجهاراً منذ وقت طويل, قبل أكثر عام على الأقل من التقسيم, أن جنوباً جديداً بمفهومه الجغرافي ومدلولاته وأجندته السياسية المعلومة في المشهد الوطني السودان, سينشأ بعد حصول الحركة الشعبية الأم على كيكة الجنوب وحدها, وهو ما يعني صراحة أن الحركة الشعبية عندما أصرت إبان جولات مفاوضات السلام الماراثونية على جعل مستقبل المناطق الثلاث في صلب أجندة عملية السلام كانت تدرك أنها إنما كانت تثبت "مسمار جحا" في خاصرة الشمال مما يعطيها الحق ليس للتطفل عليه فحسب, بل أن تجعل منها حصان طروادة الذي تتخذه وسيلة لتنفيذ مشروعها في خلق سودان جديد كاملاً, وقد حصلت عليه منقوصاً بموجب اتفاقية السلام.
حدوث السيناريو الأسوأ, تقسيم السودان وعودة الحرب الأهلية, بهذه العجلة المتسارعة تكشف عن عمق الهوة في التفكير الاستراتيجي والفرق في براعة التفاوض والقدرات عند طرفي مفاوضات السلام, والواقع أن الأمر أبعد من أن يقتصر على تكتيكات التفاوض ودور المفاوضين بشخصياتهم بل بمدى وضوح الرؤية المستقبلية والمواقف الاستراتيجية والحسابات السياسية عند الحزبين المتفاوضين, المؤتمر الوطني والحركة الشعبية, وهو ما يتبين عند قراءة كتاب "هجوم من أجل السلام في السودان" البالغ الأهمية للوزيرة النرويجية السابقة هيلدا جونسون التي كانت قريبة بما يكفي من قادة الطرفين لإيراد تفاصيل دقيقة وأسرار مثيرة عن خلفيات ومجريات عملية التفاوض والمواقف والتنازلات التي قدمت حتى اكتملت رحلة قطار نيفاشا, ولعل أهم ما تكشف عنه روايتها, وهي رواية أوردتها على ألسنة أبطالها وأثبتت مراجعها في كتابها ومضت ثمانية أشهر علىى صدورها لم يصحح أحد ما ذكرته مما يجعل لروايتها صدقية, أن هدف المؤتمر الوطني الأساسي من التفاوض كان العمل من أجل إقامة تحالف سياسي مع الحركة الشعبية يضمن له الاستمرار في الإمساك بالسلطة في الشمال, مقابل سيطرة الحركة الشعبية على الجنوب, في صفقة تحقق صيغة تحفظ وحدة فضفاضة للبلاد, والتقطت الحركة الشعبية ذلك لتستخدمه في تمرير أجندتها تحت غطاء قبولها بهذه الصفقة, ولذلك بدا أن التنازلات التي قدمها المؤتمر الوطني بما فيها برتوكول الترتيبات الأمنية والعسكرية, وإدراج المناطق الثلاث كان رهان الغرض منه إغراء الحركة الشعبية بإبقاء الجنوب في سودان موحد وفق هذه التركيبة السياسية المغامرة, ولكن الحركة الشعبية مارست الابتزاز السياسي على طريقة شرلوك هولمز, المرابي الطماع, ابتلعت الجنوب ريثما يتيسر لها أن تبتلع المزيد إنطلاقاً من المناطق الثلاث.
ليس فيما أوردنا آنفاً شيئاً من البكاء على اللبن المسكوب لكنه تذكير ضروري بأن النهج الذرائعي في تعاطي المؤتمر الوطني مع الأجندة الوطنية استبانت كارثيته بأسرع مما كان يتوقعه حتى أشد خصومه السياسيين, فقد تسببت أوهام الذي كانوا يظنون أن التخلص من الجنوب ستكون نزهة سيحقق الأمن والاستقرار للشمال في إعادة إنتاج الأزمة الحاضرة بمأزقها, ولم تنتظر حتى تكتمل دورة التاريخ وتغيب عبرته ليعيد نفسه, والحقيقة أن الإنجرار إلى عسكرة الأزمة السودانية واستعادة أجواء الحرب وارتهان البلاد ومواردها الشحيحة لآلة الحرب وتكرار مناظر النازحين البائسين الفارين من لعلعة الرصاص في نشرات أخبار الفضائيات العالمية هو عين ما كانت تحلم به الحركة الشعبية التي تريد أن يحتفظ العالم له بصورة البلد الذي لا تنتج حكومته إلا الحروب والكوارث الوطنية, ولم يكن لها أية مصلحة أن ينعم ما تبقى السودان بتحسين صورته بحسبانه صانع سلام وأنه في سبيل ذلك لم يتوان حتى بتقسيم البلاد, وتبددت سريعاً صورة نظام الحكم الذي قبل بسلام وبديمقراطية تصوير فصل الجنوب بأنه نتاج ممارسة ديمقراطية.
فالحركة الشعبية تدرك, ويعلمنا التاريخ وواقعنا المعاش, أن السلاح لم يكن في أي يوم ماضياً في حسم أي من أزماتنا الوطنية, ودونك قضية الجنوب وحربها الطويلة وتضحياتها الكبيرة, فقد حصلت بالتفاوض على ما لم تحصل به في ميادين القتال, بل سجل التاريخ سابقة غير معهودة في سيرة الأمم حين انسحبت القوات المسلحة, بعد كل تضحياتها الجسام, من أرض لم تخسرها في معركة عسكرية, وكان الدرس البليغ أن أية قوة عسكرية لا يسعفها فعل سياسي استراتيجي بعيد النظر يجعل أية تضحيات تقدم تضيع هباءً وتصبح بلا معنى.
وتعلمنا دروس واقعنا الراهن أن قضية دارفور, بعد كل الاستهانة بها لأول أمرها بفعل الآلة السياسية الرسمية التي حاولت الترويج بأنها لا تعدو أن تكون من فعل "شرذمة قليلون" من شذاذ الآفاق وقطاع الطرق , لم يحسمها السلاح بل فاقهما حتى غدت ما نعرفه اليوم من آثارها الغليظة, عشرات الآلوف من الجند الأجانب يذكروننا كل يوم اننا بلد لا يملك من سيادته شيئاً وإن تظاهر بغير ذلك واكتفت الإدارة السياسية للدولة بحرب دونكشوتية حول لون قبعات الجنود زرقاء اممية أو خضراء أفريقية وكأن ذلك يغير من الحقائق السياسية المرة, وأصبحت الحكومة تطارد شرذمة المتمردين من عاصمة تجدنبية إلى آخرى جرياً وراء تفاوض عبثي وتوقيع اتفاقيات سلام لا حصر لها, لم توقف حرباً ولم تحقق سلاماً. وهكذا جاءت حرب أبيي لتسلم البلاد إلى استجلاب المزيد من القوات الأجنبية, وها هي استعادة الحرب في جبال النوبة والنيل الأزرق تنذر بتدخلات دولية تلوح في الأفق.
فإذا كان ذلك كله لا يكفي واعظاً, من تجاربنا الحاضرة وليس تجارب غيرنا, فمتى يا ترى تتوقف عملية الهروب إلى الأمام بحثاً عن حسم عسكري مستحيل ليس عن عجز القوات المسلحة, ولكن لأن طبيعة الأزمة سياسية وليس عسكرية, وأن علاجها الناجع في إقامة نظام سياسي قادر على استيعاب تطلعات الأمة بكل مكوناتها في الحرية, والعدالة, وتكافوء الفرص, والمساواة, واحترام تنوعها وتعددها في إطار نظام ديمقراطي مكتمل الأركان يحقق مقتضيات هذه القيم يجتث جذور أزماتنا من أساسها ولا يجعل لناقم سبيلاً إلى التمرد, ولا يلتف عليها بأية مبررات أو دواع واهية, نظام يدير شان الأمة بمقتضى الحكمة, لا بمقتضى الهوى والإثرة.
لقد كان حدث تقسيم السودان زلزالاً سياسياً بكل ما تعنيه الكلمة, وكان الظن أنه سيكون كافياً ليرد للطبقة الحاكمة  وللجماعة السياسية السودانية وعيها المفقود, وكانت فرصة تاريخية مع مأساويتها في الجلوس لمراجعات عميقة تضع يدها على تشخيص حقيقي لأزمتنا وتجري جراحة أكثر عمقاً تبتر اسباب فشلنا السياسي من جذوره, نتعظ فيها من تجربتنا المريرة التي كلفتنا تقسيم وطننا العزيز, ولكن للأسف الشديد لا يبدو أننا نسينا شيئاً أو تعلمنا شيئاً, لنعيد تجريب المجرب, ومعلوم مصير من يفعل ذلك ستحيق به الندامة ولات ساعة مندم.

نقلاً عن صحيفة إيلاف السودانية
الأربعاء 7 سبتمبر 2011  

الرهانات الخاطئة تكلف عزلة سياسية واقتصادية

هل دخل السودان في عزلة سياسية واقتصادية خانقة من قبل محيطه الدولي وجواره الإقليمي العربي والإسلامي دون أن يفطن الحكم في الخرطوم إلى عواقب ذلك على كفاحه من أجل البقاء, وإلى مآلاته على مستقبل البلاد والعباد؟.
في أنباء مطلع هذا الاسبوع خباران لافتان, الأول بثته رويترز السبت الماضي من مرسيليا الفرنسية التي شهدت اجتماعات وزراء مالية مجموعة الثماني حيث تعهدت المجموعة بتقديم 38 مليار دولار إلى تونس ومصر والمغرب والأردن على مدى ثلاث سنوات 2011 إلى 2013 موسعين بذلك نطاق اتفاق يعود إلى مايو مع دعوة ليبيا للمشاركة أيضا. كما تعهد صندوق النقد الدولي بتمويل إضافي قيمته 35 مليار دولار لدول انتفاضات الربيع العربي.
وقالت فرنسا الرئيس الحالي لمجموعة الثماني إن الرقم الذي اتفق عليه خلال محادثات في مرسيليا ضاعف المبلغ المتفق عليه في مايو عندما اجتمعت القوى الثماني في دوفيل بشمال فرنسا. وشهد اجتماع مرسيليا توسيع نطاق الشراكة الأصلية لتشمل الأردن والمغرب.
وأبلغ وزير المالية الفرنسي باروان مؤتمرا صحافيا "تعهدت المؤسسات بزيادة حجم شبكتها المالية إلى 38 مليار دولار مقارنة مع العشرين مليار دولار التي جرى التعهد بها في دوفيل .. هذه ليست مجرد كلمات بل خطوة مهمة جرى اتخاذها هذا الصباح".
ويهدف اتفاق التمويل الذي توصلت إليه الاقتصادات السبعة الكبرى زائد روسيا إلى دعم جهود الإصلاح في أعقاب انتفاضات الربيع العربي في الشرق الأوسط وشمال افريقيا. وستقدم مجموعة الثماني والدول العربية نصفه والنصف الآخر من مقرضين وبنوك تنمية.
وحذرت المؤسسات المالية الدولية المشاركة في محادثات مجموعة الثماني من التحديات التي تواجه دول الربيع العربي إذ تحاول تدبير التمويل الأجنبي في ظل مخاوف من مخاطر عالية وضغوط اجتماعية ومالية في بيئاتها المحلية. ودعا المسؤولون إلى فتح أسواق الدول المتقدمة أمام المنتجات والقوى العاملة من منطقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا لتفادي الاعتماد على المساعدات والمساهمة في تعزيز القطاع الخاص.
وذيكر أن مبادرة دوفيل قد تأسست تحت الرئاسة الفرنسية لمجموعة الثماني بهدف مساعدة دول الشرق الأوسط وشمال افريقيا التي شهدت انتفاضات شعبية على تبني إصلاحات ديمقراطية عن طريق جعل المساعدات والقروض التنموية مشروطة بالإصلاح السياسي والاقتصادي. وبحث مسؤولو مجموعة الثماني التحديات الاقتصادية التي تواجهها دول أطاحت بحكام مستبدين مثل تونس ومصر وليبيا واتفقوا على تعزيز التجارة وفتح الأسواق بين المنطقة وبلدان العالم المتقدم.
أما الخبر الثاني المهم فقد جاء من تلقاء مدينة جدة السعودية التي احتضنت الأحد الماضي أعمال الاجتماع الوزاري العادي لدول مجلس التعاون الخليجي, وشارك فيه لأول مرة وزيرا خارجية الأردن والمغرب, الدولتان اللتان دعاهما مجلس التعاون الخليجي في خطوة مفاجئة في مايو الماضي للإنضمام إليه, على أن الأمر الاكثر أهمية هنا أن اجتماع جدة كشف عن برنامج اقتصادي تنموي تبنته مدته خمس سنوات لدعم الاردن والمغرب.
ومع أن الأردن والمغرب لا تزالان تدرسان الطلب الخليجي للانضمام إلى المجلس, فإن ما لا شك فيه أنه في حال نجاح مفاوضات الانضمام، فستشهد المنطقة العربية تغييراً مهما في بنية تحالفاتها السياسية والأمنية. هذا إذا وضعنا في الاعتبار أن اليمن التي, لا تزال في انتظار إكمال نجاح ثورتها, مدعوة هي الآخرى أيضاً للانضمام للمجلس الخليجي فسيكون ذلك مؤشراً إضافياً إلى عمق التحولات السياسة التي ستشهدها المنطقة في غضون المستقبل القريب.
والسؤال الملح أين السودان من هذه التطورات الاستراتيجية؟ الإجابة التي لا تحتاج إلى كثير عناء هي أنه لا موقع له من الإعراب في خضم هذه التحولات المتسارعة, ومن الواضح أن السودان يكابد حالة عزلة سياسية واقتصادية دولية وإقليمية غير مسبوقة ولا قبل له بتداعياتها وتبعاتها. ربما لم يكن الأمر ليعني كثيراً لو أن السودان يعيش في أفضل حالاته سياسياً واقتصادياً, بيد أن ما يجب ان يثير القلق العميق أن حالة العزلة, الدولية والإقليمية, هذه تأتي والسودان الشمالي يكابد في أتون أخطر صدمتين تواجهه في تاريخه الحديث, الصدمة السياسية بسبب زلزال تقسيم السودان وفصل الجنوب, والصدمة الاقتصادية العميقة الناجمة عن توابع ذلك الحدث المزلزل.
والصدمتان شاخصتان إلى درجة لا تحتجان معهما إلى إقامة الدليل عليهما,  فالتقسيم الذي جرى تسويقه سياسياً باعتبره قارب النجاة الوحيد إلى مفارقة الاحتراب وكسب السلام والاستقرار بعد طول تيه في صحراء الحرب الأهلية سرعان ما تبين أنه رهان خاسر إلى أبعد الحدود, فقد تحقق السيناريو الأسوأ خسران وحدة البلاد وعودة الحرب إلى "الجنوب الجديد" حتى قبل أن يجف حبر فصل "الجنوب القديم". ولئن احتملت الصدمة السياسية جدلاً حول جدوى الانفصال وعواقبه, فإن الصدمة الاقتصادية التي تبعته لا تحتمل ترف الجدل السياسي ورفاهية المغالطات الحزبية, فالتأثيرات السلبيية العميقة للصدمة الاقتصادية جراء تقسيم البلاد بدأت تلقي بكلكلها مبكراً حتى قبل الانفصال فعلياً بوقت طويل, فقد تسارع تدهور قيمة العملة الوطنية لتفقد خلال أشهر قليلة ضعف قيمتها أمام العملات الصعبة, وانفلت التضخم وتصاعدت أسعار كل السلع إلى مستويات غير مسبوقة, حدث كل ذلك على الرغم من أن اتفاقية قسمة الثروة وتقاسم عائدات النفط ظل سارياً حتى مطلع يوليو الماضي, وعلى الرغم من أن الميزان الخارجي سجل في العام الماضي, حسب آخر تقرير سنوي للبنك المركزي عن العام 2101, فائضاً بلغ اثنين مليار ونصف المليار دولار, ولك أن تتخيل كيف سيكون الوضع الاقتصادي في المستقبل القريب بعد الافتقار إلى العائدات النفطية؟. لم يعد حتى كبار قادة الحكم يخفون المآلات الاقتصادية الصعبة مما جرى التصريح به علانية عقب إجازة مجلس الوزراء لموازنة العام 2012, وقالها الرئيس البشير بوضوح أن المصاعب الاقتصادية المقبلة تعود إلى فقدان العائدات النفطية.
وليس في هذا كله جديداً سوى نهاية حالة الإنكار التي كان يمارسها كبار المسؤولين في الحكومة من السياسيين والاقتصاديين الذين طالما قللوا من التأثيرات السلبية للانفصال, بل وروجوا لتبرير أكثر غرابة بالإكثار من الحمد أن تخلصوا أخيراً من عبء الجنوب وأزاحوا عن كاهلهم "أوشابه"!
ربما لم يكن هناك ما يدعو لإلقاء اللوم عليهم لو أنهم أطلقوا تلك التصريحات من أجل بث الطمأنينة في نفوس المواطنين وعدم إثارة الهلع بينهم, ولكن تبين أنهم صدقوا فعلاً ما يصرحون به للاستهلاك السياسي وقعدوا عن التحسب بالجدية الكاملة للعواقب الاقتصادية الخطيرة جراء الانفصال.
والمأزق الآن أن السودان الشمالي يواجه هاتين الصدمتين السياسية والاقتصادية وهو في حالة عزلة دولية وإقليمية, ويفتقر إلى حليف أو صديق يقدم له يد العون الحقيقية, خاصة أنه سيفاقم من خطورة الأوضاع الاقتصادية عودة الحرب في جبال النوبة والنيل الأزرق لأنه حتى في حالة بسط السيطرة العسكرية عليها فستكون هناك حاجة مستمرة للصرف من مواردو محدودة أصلاً لاستمرار المحافظة عليها, هذا إذا لم تسبب حرب عصابات محتملة في زعزعة استقرارها.
بالطبع سيرد المسؤولون عن العلاقات الخارجية بالنفي القاطع لوقوع البلاد في حالة عزلة وأن البلاد تمتع بعلاقات وثيقة مع العديد من دول العالم والمنطقة وأن تلك الدول تؤكد دعمها ووقوفها إلى جانب السودان, كل ذلك حسن ولكن هل يقاس الأمر بمجرد الزيارات المتبادلة وإطلاق التصريحات الداعمة والتعبيرات الدبلوماسية الناعمة, أم بترجمة عملية بالدعم السياسي والاقتصادي الذي تحتاجه البلاد بشدة؟ سيكون الزعم بوجود علاقات خارجية وثيقة ونفي حالة العزلة صحيحاً وصالحاً بمقدار تقديمها لإجابات عملية وفعلية لحاجة السودان الماسة للدعم والعون الاقتصادي على وجه الخصوص وبصفة عاجلة.
وليس سراً أن مسؤولين رفيعين زارا دولة عربية كبرى غنية في زيارتين منفردتين خلال الاشهر الماضية طلباً لدعمها للسودان في مواجهة التحديات الراهنة ولم يظفرا بشئ غير الكلام الطيب, وكان لافتاً أنه بعد أيام قليلة فقط من الزيارة السودانية الرفيعة الأخيرة, أن قدمت تلك الدولة العربية منحةً, وليس قرضاً, لدولة آخرى بمليار ونصف المليار دولار دفعةً أولى لدعمها, في حين خرج السودان خالي الوفاض حتى من قرض دعك من منحة, ولم يفلح حتى في إقناع تلك الدولة بتمويل استثمارات ذات معنى في القطاع الزراعي السوداني الذي كان يعول عليه ذات يوم ليصبح سلة غذاء العالم العربي. وليس سراً أيضاً أن برنامج النهضة الزراعية الذي كان يهدف إلى إحداث نقلة كبرى تعثر لأنه لم يجد التمويل الذي كان يعول عليه من خلال الاستثمارات الخارجية, وليس سراً كذلك أن دول الخليج الغنية صنفت السودان في ذيل أولويات الدول التي قررت الاستثمار الزراعي فيها, فقد طرقت دولاً آخرى في إفريقيا جارة للسودان, وآخرى في أقاصي آسيا.
ولم يجد وزير المالية آذاناً صاغية من وزراء المالية العرب وهو يعلن في أبو ظبي الاسبوع الماضي على هامش اجتماعات صندوق النقد العربي, أن السودان يحتاج إلى مساعدات بمليار ونصف المليار دولار لتغطية عجز الموازنة العام القادم, وهو رقم أقل بكثير من رقم العجز الحقيقي الذي يقدره خبراء اقتصاديون بأربعة مليارات دولار, ومع ذلك لم يجد من يستجيب له, ولم تمض أيام حتى نهضت دول مجلس التعاون الخليجي لنجدة الأردن القريب, والمغرب البعيد, ببرنامج تنموي اقتصادي, ليس إسعافياً, ولكن لمدة خمس سنوات, ليس ذلك فحسب بل أفلحت في إدراجها أيضاً ضمن مساعدات مجموعة الثمان, وصندوق النقد الدولي.
لسنا هنا بصدد تقديم أجوبة أو تحليلات تفسر أسباب العزلة السياسية التي يعانيها السودان في محيطه العربي ولكن نرسم فقط صورة للحالة التي تتبدى واقعاً من خلال عجز الحكومة عن استقطاب أي دعم أو استثمار عربي ذا شأن في وقت تواجه في البلاد وضعاً اقتصادياً عصيباً. ومن المؤكد أن لهذا الموقف صلة بتحفظ أو عدم رضا من المحور الخليجي عن خيارات النظام الحاكم في الخرطوم ومواقفه سياسية لا تعلن عنها بالضرورة أو تخفيها المجاملة الدبلوماسية ولكنها تنعكس واقعاً عملياً بدعم سياسي واقتصادي محدود للغاية لا يفي بالمطلوب أو المتوقع منها منها فعلاً. وإلا فمن أحوج من السودان في ظل أوضاعه الحالية وهو خارج من مأساة تقسيمه من أن يهب لنجدته ذوي قربته من جيرانه الأقربين من دول الخليج وقد هبوا لدعم دول الربيع العربي ولحقت نجدتهم حتى الجار الأبعد, والأولى بالسؤال أن لماذا لم يحدث ذلك هو في الحقيقة عند ولاة الأمر في الخرطوم وليس في عواصم الخليج.
أما العزلة السياسية والاقتصادية التي يعانيها السودان على الصعيد الدولي فلا تحتاج إلا تبيان, فالدول الكبرى التي نهضت لدعم دول الربيع العربي هي نفسها التي تجاهلت مكافأة الحكم في الخرطوم والوفاء بتعهداتها إذا التزمت بتنفيذ اتفاقية السلام إلى نهاياتها, وقد كان فتم التقسيم وحدث الانفصال فلا المجتمع الدولي ضمن السلام, ولا عفى الديون, ولا قدم مساعدات, ولا أقال عثرة الاقتصاد, كما أن واشنطن, عراب نيفاشا, نفذت شيئاً من وعودها بالتطبيع, أي باختصار لم يتم فصل الجنوب مجاناً وحسب, إذ لم يظفر الحزب الحاكم في الخرطوم بشئ مما ظنه استثماراً ناجحاً في تعبيد الطريق أمام الانفصال سيجلب عليه تطبيعاً دولياً ودخولاً سلساً في نادي المجتمع الدولي, بل أصبح يتعين عليه أن يدفع ثمناً باهظاً لهذه الغفلة السياسية وغياب الرؤية الاستراتيجية قد تكلفه سلطته وهو يواجه تبعات الانفصال وتداعياته بلا صديق حميم ولا حليف هميم مستعد ليدفع عنه غائلة الزمان. ولم تعد بذات نفع تبريرات من قبيل الاستهداف والتآمر, هب أن ذلك حادث فمن نفذ أجندته؟, ولماذا؟.
ومع ذلك, فماذا نحن فاعلون, لا تزال هناك فرصة لإنقاذ البلاد والعباد من مصير بئيس, ولكن ذلك بالطبع ليس مجانياً, ولا تصلح معها المكابرة, وهناك حاجة لمراجعات حقيقية من أجل تغيير وإصلاح جذري في النظام السياسي السوداني تستند على أجندة بحجم الوطن, لا بحجم حزب أو طبقة حاكمة لا ترى سوى حسابات استئثارها بالسلطة وإن كان ثمن ذلك ذهاب ريح ما تبقى من الوطن.       

"الحركات الإسلامية" وامتحان أردوغان


صدمة مزلزلة من العيار الثقيل فاجأ بها الزعيم التركي الصاعد نجمه بقوة رجب طيب أردوغان المعجبين ب»نموذجه السياسي» من جماعات «الحركة الإسلامية التقليدية» إبان زياراته لعواصم الربيع العربي الثلاث بشمالي إفريقيا الاسبوع الماضي، فالرجل الذي استقبلته جماعة الإخوان المسلمين المصرية بلافتات الترحيب الحارة المرحبة «بالزعيم العثماني الذي سيعيد مجد الخلافة الإسلامية» التي شهدت تركيا أفولها قبل نحو قرن ونهضت الجماعة بعد بضع سنوات فقط، مكرسة نفسها لاستعادتها، وسرعان ما قلبت الجماعة للرجل ظهر المجن حتى قبل أن يغادر القاهرة وودعته بغير ما استقبلته به من حفاوة، ومضت أكثر من ذلك حين اتهمه متحدث باسمها بأنه يتدخل في شؤون مصر الداخلية، ويريد فرض هيمنة تركية على المنطقة.
ما الذي حدث وأدى لهذا الإنقلاب المفاجئ في الموقف الإخواني وهم الذين من فرط إعجابهم به وبتجربة حزبه السياسية الباذخة ونجاحها المذهل في حكم تركيا بقاعدة ديمقراطية شعبية لا جدال فيها أكسبته ثلاثة انتخابات متتالية، قد وطنوا أنفسهم على اقتفاء أثره وسيرته حتى أنهم أطلقوا على حزبهم السياسي «الحرية والتنمية» تيمناً به، وهو تنازل غير معهود فالذهنية المصرية أن يتواضع الأستاذ ليتعلم من تلميذه، فحركة الإخوان المصرية تعتبر نفسها أم الحركات الإسلامية ومعلمتها ومرجعيتها لا تقبل في ذلك شريكاً.
ما حدث أن أردوغان «الإسلامي» بالتعريف التقليدي والتصنيف السياسي النمطي السائد، زعزع مسلمات استقرت في وجدان «الحركات الإسلامية» الساعية للسلطة السياسية وفق تصورات لـ»دولة إسلامية» وفق معايير تناسب تطلعاتها، ليس ذلك فحسب بل تجعل من مفاهيمها للسلطة السياسية في النظام السياسي الإسلامي الذي تريد إقامته بما يكرس قبضتها السلطوية هي المرجعية الوحيدة المعتمدة في منح شهادة «إسلامية نظام الحكم».
فماذا قال أردوغان وأثار هذه الزلزلة؟، قبيل وصوله إلى القاهرة وفي حوار مع الإعلامية المعروفة منى الشاذلي لبرنامجها المشهور «العاشرة مساء»، دعا أردوغان دول الربيع العربي التي ما تزال تتلمس طريقها إلى إقرار نظم سياسية جديدة تحقق مقتضى قيم الحرية والعدالة والمساواة التي نهض من أجلها ثوار هذه الشعوب إلى تبني دستور يقوم على المبادئ التي من شأنها أن ترسي قواعد دولة مدنية حديثة تتيح للجميع أن يدين بالدين الذي يريد، ومضى يشرح ماذا يعني بذلك قائلاً إنه يجب أولاً الاتفاق على تعريف لمفهموم «العلمانية» لأن هذا المصطلح يكتسب تعريفات مختلفة ومفاهيم متباينة في المجتمعات المختلفة وفي الأزمان المتعاقبة أيضاً، وإن الدستور التركي يعرف الدولة العلمانية بأنها تقف على مسافة متساوية من جميع الأديان التي يعتنقها مواطنوها، وتتعامل مع أفراد الشعب بحقوق متساوية، وأن الدولة العلمانية وفق هذا المفهوم ليست ضد الدين ولا تنشر اللا دينية.
وأكد أن الدولة العلمانية لا تعنى دولة اللادين، متمنيا وجود دولة مدنية تقوم على احترام جميع الأديان والشرائح في المجتمع في مصر. وموضحاً أن العلمانية الحديثة لا تتعارض مع الدين بل يجب عليها أن تتعايش معه.
وحول مفهوم العلمانية يقول أردوغان أنها ليست مفهوماً رياضياً كأن تقول حاصل ضرب 2 في 2 يساوي 4، فتعريفات المفاهيم الاجتماعية تختلف فيما بينها، فالعلمانية في المجتمع الانجلوسكسوني لها مفهومها المختلف عنه في أوروبا، كما أن المفهم التركي لها مختلف، وقد دفعنا ثمنا باهظا من أجل ذلك المفهوم في تركيا.
وأضاف: في دستور 1982 تم تعريف العلمانية بأن معناها وقوف الدولة على مسافة متساوية من جميع الأديان، أما الأشخاص فلا يكونون علمانيين، يستطيعون أن يكونوا متدينين أو ضد الدين أو من أديان أخرى، فهذا شيء طبيعي. واستطرد رجب طيب أردوغان: مثلا في مصر هناك مسلمون وهناك غير مسلمين كالأقباط ومن ينتمي إلى ديانات أخرى، وفي تركيا 99% مسلمون إلى جانب أديان أخرى، إلا أن الدولة على مسافة متساوية في تعاملها مع كل هذه الفئات والشعوب.
وأضاف: يجب على المسلم أن يعيش دينه بكل حرية وكذلك المسيحي واليهودي وغيرهما، وأن تضمن الدولة هذا، وعندما ننظر إلى حضارتنا السابقة في التاريخ الإسلامي ترون الأمثلة كثيرة. وقال: أنا أؤمن بأن المصريين سوف يقيمون هذا الموضوع بكل جدية في هذه الفترة الانتقالية وما بعدها خصوصا ما يتعلق بالديمقراطية ومسيرتها، وسوف يكتشفون أن الدولة العلمانية لا تنشر اللا دينية ولكنها تحترم كل الأديان وأن يعيش كل فرد دينه ويجب ألا يقلقوا من هذا الأمر.
ونصح إردوغان الذين يعدون الدستور المصري الجديد بالحرص على ضمان وقوف الدولة على مسافة متساوية من جميع الأديان والفئات وعدم حرمان الناس من أن يعيشوا دينهم واعطاؤهم ضمانا لذلك، فإذا بدأت الدولة بهذا الشكل فإن المجتمع كله سيجد الأمان، المسلمون والمسيحيون وغيرهما من أديان أخرى واللا دينيون، فحتى الذي لا يؤمن بالدين يجب على الدولة أن تحترمه.. إذا تم وضع تلك الضمانات فهذه هي الدولة العلمانية.
وشدد قائلا: الدولة تكون علمانية ولكن الأشخاص ليسوا علمانيين «رجب طيب أردوغان ليس علمانيا وإنما مسلم ولكنه رئيس وزراء دولة علمانية ويفعل ما توجبه هذه الدولة». وحول اعتقاد البعض بأن الدولة العلمانية دولة كافرة، أجاب أردوغان: بعد تصريحي هذا أظن أنهم سوف يفهمون بشكل مختلف وسوف يناقشون ما أقوله. أقول للشعب المصري لا تقلق ويجب أن تأخذوا هذه الفكرة من هذه الزاوية، وأتمنى أن تستفيد الدولة العلمانية في مصر من الأخطاء التركية ونتناقش ونتبادل الأفكار والتجارب. وأضاف أؤمن أن مصر ببنيتها البحثية العلمية تستطيع انجاز هذا الموضوع بكل سهولة.
تلك إذن هي الأفكار والمفاهيم التي طرحها أردوغان حول طبيعة الدولة ونظامها السياسي، وهي بالطبع تستند على تجربته العملية في تركيا التي ظلت تتبنى نموذجاً علمانياً بدأ متطرفاً يعادي الدين حين أرسى أتاتورك دعائم الجمهورية التركية على أنقاض الخلافة العثمانية، ولكن أثبتت الوقائع السياسية أنه قابل للتطور في المفاهيم والتطبيق حين انتهي في غضون خمسة وسبعين عاماً فقط إلى القبول بحكم ديمقراطي لم يجد حتى غلاة دعاة العلمانية الأتاتوركية بداً من الرضوح لحكم الشعب والقبول بوصول حزب العدالة والتنمية بخلفيته الإسلامية المعلومة إلى السلطة والاستمرار فيها لثلاث دورات انتخابية حتى في ظل استمرار النظام العلماني. وما كان أردوغان يحتاج إلى إطلاق هذه المفاهيم لمقاربة جديدة للتعاطي مع إشكالية النظام السياسي لدعاة إقامة نظام إسلامي من أجل أجندة داخلية أو من باب المغازلة للقوى العلمانية التقليدية في تركيا فهو خارج لتوه مسجلاً انتصاراً انتخابياً كاسحاً مكنه حتى من اختراق أقوى معاقل «العلمانية الأتاتوركية» حين نجح في إخضاع المؤسسة العسكرية التركية ذات النفوذ التاريخي المرجعي الراسخ للمؤسسة المدنية السياسية.
ربما كانت جريرة أردوغان التي أثارت عليه غضب الاخوان، بعد طول إعجاب، ان ألقى حجراً ثقيلاً في بركة ساكنة من الجمود والكسل الفكري زعزع القناعات المستقرة عند بعض «الحركيين الإسلاميين» الذين أعفوا عقولهم من الاجتهاد والنظر العميق والتمرد على المألوف من مسلمات لمقولات فضفاضة أثبت الزمان أنها لم تبطل باطلاً، ولم تحق حقاً. ما قاله أردوغان مجرد اجتهاد حفزته تجربة عملية ناجحة، بشهادة حتى منتقديه اليوم، لا يلزم أحداً ولكنه محاولة جريئة للإجابة على الأسئلة العميق والشائكة التي ظلت تشغل بال المسلمين حول الشكل الذي يجب أن يتخذه النظام السياسي الإسلامي، وما الذي يمتلك السلطة السياسية، وكيف يصل إليها، وهي أسئلة ليست وليدة اليوم، بل طرحت والرسول عليه أفضل الصلاة والسلام في فراش الموت واختلفوا حولها في سقيفة بني ساعدة حتى قبل أن يوارى الثرى، وظلت عالقة حتى يومنا هذا بدليل أن المسلمين لم يهتدوا حتى بعد خمسة عشر قرناً إلى ما يمكن أن يوصف بأنه نظام سياسي إسلامي نموذجي يحقق مقاصد الدين وقيمه الأخلاقية الرفيعة، ولو كانت مسألة امتلاك السلطة السياسية والنجاح في امتحان إعمار الأرض بسيطة على النحو الذي يستسهله رافعو شعار «الإسلام هو الحل» بلا نظر عميق ولا برنامج عملي، ولا حتى ممارسة سليمة، لما ظل هذا الجدل قائماً طوال هذه القرون بلا نتيجة حاسمة.
والحقيقة المهمة هي أن المشكلة ليست في الإسلام، ولكن في عجز المسلمين عن الارتقاء إلى التعقل والتفكر في المفاهيم التحررية للإسلام الذي جاء ليحرر الإنسان من الخضوع والاستعباد لبشر مثله، وارتقى في مدارج التحرر أن المولى عجز وجل أعطى عباده حتى حق الكفر، ولكن انتكس المسلمون حين قبلوا أن يعودا عبيداً غيبوا عقولهم وجمدوا أفهامهم ليخضعوا لاستبداد الطامحين في امتلاك السلطة السياسية واحتكار مغانمها، والمفارقة أنهم يفعلون ذلك باسم الدين، هل هي صدفة أن المسلمين حين يلتفتون اليوم ليجدوا نموذجاً إسلامياً في الحرية والعدل يتباهون به ويتخذونه مثلاً فلا يجدون إلا القليل يتعزون بأيام الخلافة الراشدة وخلافة عمر عبد العزيز ثم لا شيء، خمسة عشر قرناً طغت عليها الأنظمة الاستبدادية تتمسح بالدين وتتزيا بشعاراته، ثم لا تكن ممارستها إلا خصماً عليه، وما جدوى أن ترفع الأنظمة المتسلطة الإسلام شعاراً فارغاً من المضمون وتمشي على تعاليمه مسحاً بممارسات لا تحقق من مقاصد الدين ولا قيمه شيئاً، بل تخلف مسخاً مشوهاً يحسب على الدين نفسه وليس على بؤس فهمهم وسوء ممارستهم.
وقد يجد المرء عذراً لأبو الحسن الندوي أنه كان شاباً غضاً متحمساً حين ألف كتابه «ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين»، فما نحتاج أن ندرسه فعلاً ماذا خسر الإسلام بانحطاط المسلمين وتخلفهم وتقاصر وعيهم عن الارتقاء لفهم مقاصد الدين السامية، وليست تلك القشور والمظاهر التي ألبسوها له فقعدت بالإسلام، وجعلت المسلمين مفعولاً بهم، يعيشون عالة على عصرهم، يشكون الذل في كل عصر.
لقد كشفت اجتهادات أردوغان، والذي لم يقدم نموذجا سياسيا جديراً بالإعجاب فحسب بل أطلق العنان لجدل فكري حول طبيعة الدولة ومرجعيتها في فضاء خارج الأطر التقليدية الضيقة في قوالب «الحركات الإسلامية»، فقد كشفت عن جمود تفكيرها الذي ينم عن طبيعة ماضوية، على الرغم من إدعائها الحداثة، ولو أن هذه «الحركات الإسلامية» عكفت على اجتهادات جدية تخرج المسلمين من ركود وتخلف أكثر من عشرة قرون لربما كانت قدمت شيئاً ذا فائدة، ولكنها ركنت إلى إطلاق شعارات فضفاضة وتنظيمات سرية محكمة تتحين الفرصة للوثوب إلى السلطة حتى إذا وصلتها لم تحر جواباً على أسئلة نهضة الأمة الحقيقية، ثم تقدم تجربة لا تفتقر إلى النموذج الأخلاقي الإسلامي فحسب، بل تؤدي إلى تقسيم الأوطان وشرذمتها وإثارة النعرات العنصرية والقبلية، ودوننا نموذج «الحركة الإسلامية السودانية» المثخن بالجراح والمثالب الذي حكم لأكثر من عقدين، والذي لم يفشل في الحفاظ على وحدة الأمة، بل عجز حتى عن الحفاظ على وحدة قادتها بسبب صراع بائس على امتلاك السلطة السياسية، وهو صراع جرى بين كبارها ونخبتها المنتقاة، فإذا عجز أفضل قادتها عن تقديم القدوة في النموذج الذي تدعيه، فمن يحققه؟، هل يستوردون ملائكة لإقامته؟.
ويكشف الهجوم على أردوغان عن جانب من انتهازية وإزدواجية المعايير التي تعامل به منتقدوه الجدد من «الحركيين الإسلاميين»، فهو لم يتحدث إلا عن ما يمارسه حزبه فعلاً في الحياة السياسية التركية وقبوله بقواعد اللعبة فيها القائمة على دستور علماني، ولم يكن يصف حزب العدالة والتنمية بأنه حزب إسلامي بل يتماهى في برنامجه مع متطلبات الدستور التركي، ومع ذلك لم تكن هذه الجماعات تنتقد تلك الممارسة، وتقبل منه خلفيته الإسلامية وتعتبرها كافية لتصبح تجربته نموذجاً إسلامياً تسابقت للاقتداء به، ولكن ما أن نطق بما يمارسه فعلاً معرباً عن قناعات فكرية جديدة حتى ثارت ثائرتهم، والمفارقة أن «الإخوان» المصريين قبلوا بدولة مدنية ذات مرجعية إسلامية، في محاولة واضحة لتقليل مخاوف خصومهم المتصاعدة، ولكنهم لم يحتملوا اجتهاداً أكثر جراءة وصراحة.
وتلك هي مأساة ومأزق الذين ينشغلون بالقشور، فقد كان الزعيم الصيني الكبير دينغ زيهاو بينغ الذي قاد مسيرة الإصلاح والانفتاح وخرج بها من ظلمات ثورة ماو تسي تونغ الثقافية التي اتخذها ستاراً لتصفية خصومه وتعزيز سلطته، يرد على الذين يتهمونه بالخروج على أيدلوجية الحزب «ليس مهماً لون القط أسود أم أبيض، ولكن المهم قدرته على اصطياد الفئران»، ولم يمض إلا عقدين لم تخرج الصين فيها من تخلفها فحسب، بل صعد نجمها لتزاحم أكبر اقتصاد عالمي، بل وتصبح أكبر دائنيه.
حقاً ليس مهماً لون القط، وليس مهماً وصف النظام السياسي علماني أم إسلامي، بل المهم قدرته على تحقيق الحرية والعدل والمساواة وحكم الشعب واستجابته لشروط النهضة.

نجاد وإثيوبيا والسودان ... دراسة حالة

مع الأوضاع الاقتصادية في البلاد الآخذة في التردي والتدهور بوتيرة غير مسبوقة ولا تلوح بارقة أمل ولا أفاق واضحة للخروج من مأزقها الخانق, لماذا يظل الحكم مصراً على إدارة سياسته الخارجية وعلاقاته الدولية على نهج ثوري هتافي عفى عليه الزمن لا يدفع غائلة ولا يجلب مصلحة تقيل عثرة البلاد وهي تواجه أخطر تحديات تمر بها في تاريخها الحديث, تم تقسيم أرضيها جرياً وراء سراب سلام لا يتحقق ولا ليوم واحد, وأسوأ من ذلك سنت سابقة لتشرذم ما تبقى منها, وحالة اقتصادية مأزومة بدأت تظل نذر عواقبها بأسرع مما كان منتظراً, وبأخطر مما كان يتوقعه حتى أكثر المحللين تشاؤماً.
في ظل هذه الأوضاع الصعبة والمعقدة يحتاج السودان لمن يمد له يد العون الحقيقية التي تعين على تجاوز مزالق هذه المرحلة الحرجة بأقل الخسائر الممكنة, وما يحتاجه السودان عاجلاً وبلا أبطاء دعماً اقتصادياً مؤثراً في تغيير المعادلة الراهنة المختلة بقوة جراء استقلال الجنوب بلا حسابات اقتصادية راشدة من الحكم في الخرطوم الذي انتظر الوقوع في براثن الكارثة بلا تبصر مهدراً وقتاً ثميناً لا في التحسب لمآلات التقسيم الخاسرة كما كان يراها كل ذي بصيرة, بل أضاعه في التسابق في الإدلاء بتصريحات متواترة لنافية لأي تأثيرات سلبية لذلك مصدقين حمالي الحطب من دعاة التقسيم, انفصالي الشمال, الذين وعدوا مواطنيهم بأمان كذوب أن الشمال سيصبح جنة رضوان ما أن ينزل عن كاهله "أوشاب الجنوب", ويبدو اننا لم نستبن الرشد حتى بعد أن مر ضحى الغد, ومقتضى الرشد أن كل فشل يورث حكمة.
بالأمس مر الرئيس الإيراني الدكتور محمود أحمدي نجاد بالخرطوم في زيارة وهو في طريق عودته من نيويورك إلى بلادته بعد مشاركته في أعمال الجمعية العامة لأمم المتحدة, وهو بالتأكيد محل ترحيب واحترام, ولكن إقرأ, يا هداك الله, البيان المشترك في ختام المحادثات بين رئيسي البلدين, وتأمل في التصريحات والمواقف السياسية التي رافقت الزيارة, ولك أن تعجب, هل هذا ما نحتاجه في السودان على الأقل في هذا الوقت العصيب, فقد احتشدت بالتصريحات السياسية النارية عن دول الاستكبار, والمؤمرات الغربية والتدخلات الأجنبية في المنطقة, كل هذا حسن ولا اعتراض عليه ولا خلاف حوله, ولكن لماذا وقف حمار الشيخ في العقبة حين جاء الحديث عن الاقتصاد والتعاون بين البلدين, فقد حمل البيان عبارات فضفاضة ومعممة لا تتعدى إثبات حسن النية ولا تدلف إلى عمل حقيقي وفاعل ما يسهم حقاً في رتق ثقوب العلاقات الاقتصادية الواهنة بين البلدين على ال غم من كل الحديث المعسول عن متانة العلاقات وتحالف حكومة "التوحيد", ولم يزد الحديث في شأن الاقتصاد عن فقرة يتيمة لا تفصح عن شئ ذا أهمية تذكر ب"الاتفاقيات المبرمة بين الجانبين في الاجتماع العاشر للجنة الاقتصادية المشتركة وضرورة متابعة وتنفيذ الاتفاقيات المبرمة, والسعي من أجل البحث عن سبل لتطوير العلاقات الثنائية لا سيما في المجالات الاقتصادية والصناعية والتقنية". ومن يعرف خبايا وحجم التعاون الاقتصادي المحدود للغاية بين البلدين, يدرك تماماً أنه لا يضاهي بأي حال جدوى وكلفة العلاقات السياسية الظاهرة متانتها دون مردود ذا بال.
والحق أنه لا تثريب هنا على إيران فهي دولة تدرك مصالحها جيداً وتعرف كيف تخدمها, ولماذا نلومها إذا نجحت في تحقيق ما تبتغيه من علاقات مع السودان بأقل كلفة ممكنة, ولئن جاز أن تنشأ العلاقات بين المجتمعات والأفراد على قيم لا تبتغي بالضرورة منافعة مباشرة إلا المودة, فإن شأن العلاقات بين الدول يقوم على جلب المصالح ودفع المخاطر, ولا مكان فيها للصداقة من أجل الصداقة, بل تعرف لغة المصالح الدائمة. ولكن حتى متى يدير الحكم سياساته الخارجية وعلاقاته الدولية بظنون الهواة وليس بأجندة الاحتراف, وما قيمة العلاقات الخارجية إذا كان ضررها أكبر من نفعها, أو لا تجلب مصلحة أصلاً, وقد كانت قمة المفارقة في هذا النهج حين اعتبر مسؤول رفيع أن "الطلب من الصين استخدام الفيتو في مجلس الأمن لصالح السودان", بأنه "عبث"!! فإذا كانت لا ترجو من أوثق حليف تظنه في جانبك أن يذهب معك إلى أبعد مدى في دعمك في أهم محفل للقرارات الدولية, فما فائدة أن تحسبه حليفاً ترهن له كل مواقفك, ألم تستخدم بكين الفيتو لصالح زيمبابوي من أجل مصالحها مع جنوب إفريقيا, وهي التي بخلت بالفيتو على الخرطوم حتى وجد رئيس البلاد نفسه مطلوباً من المحكمة الجنائية الدولية في سابقة تاريخية لرئيس وهو لا يزال في سدة الحكم في أبلغ دليل على مدى عقم سياسة البلاد الخارجية, وهو في الحقيقة لا يعدو إلا أن يكون وجهاً آخر لأزمة وفشل السياسة الداخلية التي قادت إلى ذلك كله.
حين ههممت بكتابة هذا المقال لم يكن وارداً في ذهني ما ذهبت إليه آنفاً من تعليق حول مردود زيارة الرئيس الإيراني للخرطوم, إذ ليس الهدف التحفظ على العلاقة مع إيران أو الانتقاص من الزيارة ولكن السؤال المهم مطروح للحكم في الخرطوم ما الذي يستفيده السودان من علاقات لا تجلب منافع بحجم ما هو مرجو, ولماذا تدار السياسة الخارجية بغير ما يحقق المصالح والمكاسب الاقتصادية التي تستحقها البلاد لا سيما في ظل ظروفها الحالية البالغة التعقيد والتي تحتاج لإسعاف عاجل.
فقد كنت عزمت الكتابة عن موضوع آخر ولكنه في المحصلة هما وجهان للأمر نفسه, فقد حملت أنباء مطلع هذا الاسبوع خبراً مثيراً رفعت معه حاجب الدهشة, فقد جاء أن حجم الاستثمارات السعودية في إثيوبيا تنامي حتى فاق الثلاثة عشر مليار دولار, أكرر ثلاثة عشر مليار دولار, وكدت أشكك في صحة الخبر لولا أنه ورد من مصدرين مختلفين, والأهم من ذلك أنهما موثوقان في أخبار المملكة العربية السعودية, فقد أوردت هذه المعلومة كلاً من صحيفة "الشرق الأوسط" وقناة وموقع "العربية نت" ومرجعية كلاهما في الشأن السعودي ليست محل شك.
وجاء في الخبر نقلاً عن مسؤول إثيوبي رفيع أن حجم الاستثمارات السعودية في بلاده يقدر بنحو 50 مليار ريال (13.3 مليار دولار)، مبينا أن معظم المستثمرين السعوديين في إثيوبيا تصب استثماراتهم في المجال الزراعي.
وقال مروان بدري، القنصل العام لإثيوبيا في مدينة جدة (غرب السعودية) إن بلاده ترحب بجميع المستثمرين السعوديين من خلال توفير الأراضي الزراعية التي تتميز بها بلاده، مؤكدا أن عدد التأشيرات التي تمنح للسعودية تجاوزت في بعض الأحيان 100 تأشيرة يوميا من بينهم مستثمرون في عدد من المجالات الزراعية.
وذكر بدري خلال حفل أعدته الجمعية الزراعية للمستثمرين السعوديين في إثيوبيا الأسبوع الماضي أن بلاده دخلت في المنافسة الإقليمية والدولية لجذب المستثمر السعودي الذي بدأ في الانطلاق استنادا إلى مبادرة خادم الحرمين الشريفين الخاصة بتوفير الأمن الغذائي.
وأضاف "الآن لدينا عدد من المستثمرين السعوديين الذين لديهم أراض لزراعة الأرز معظمهم جاء السنتين الماضية، وقد أخبر رئيس الوزراء ميليس زيناوي أن إثيوبيا جاهزة لتشجيع الاستثمارات السعودية في مجالات الزراعة والإنتاج الحيواني وغيرها من المجالات الاقتصادية", مؤكداً "دعم الجمعية الزراعية وتذليل كافة الصعوبات التي قد تواجه المستثمر".
والأمر اللافت في الخبر غير الحجم الكبير للاستثمارات السعودية في إثيوبيا, أنها بلغت في المجال الزراعي إلى درجة تشكيل "الجمعية الزراعية للمستثمرين السعودية في إثيوبيا", والتي ذكر رئيسها محمد عبد الرحمن الشهري أنها تأسست منذ ستة أشهر وتعتبر أول جمعية يتم إنشاؤها في الخارج ومتخصصة في الاستثمار الزراعي مقرها في العاصمة أديس أبابا وتهدف إلى "تذليل العقبات وفهم القوانين التي يحتاجها المستثمر الزراعي في إثيوبيا، ووقيع اتفاقية مع الجهات الرسمية في إثيوبيا لضمان حقوق المستثمر السعودي بما ينعكس ذلك إيجابيا على حجم الاستثمار في الأيام المقبلة".
وأضاف رئيس الجمعية: «نعلم أن الأمن الغذائي في العالم أصبح هاجسا لأكثر الدول سواء المستوردة أو المصدرة، لذلك فنحن حريصون من خلال إنشاء هذه الجمعية أن نوصل رسالتنا إلى المستثمر باختيار الدولة المستهدفة للاستثمار وإعطائهم كافة القوانين فيها التي تسهل عليهم كافة الإجراءات الحكومية في تلك الدولة، حيث قمنا في دولة إثيوبيا بتوفير مركز معلومات عن المناطق الزراعية وعدد من المكاتب المعتمدة لإعداد الدراسات وتوفير الرحلات للاطلاع على مواقع الأراضي الزراعية لاختيارها ومن ثم تسلمها".
وقال الشهري إن الجمعية ستقوم بخدمة جميع المستثمرين سواء في القطاع الزراعي أم في قطاع الثروة الحيوانية، إذ من المتوقع أن يتجاوز عددهم جميعا أكثر من 400 مستثمر، مشيرا إلى أن هذه الاستثمارات من المتوقع أن تحقق نجاحا كبيرا عقب حل معظم العقبات التي كانت تعترض عملهم، خاصة أنه قد تم توحيد النظام القانوني في إثيوبيا بعد أن كان هناك اختلاف من ولاية لأخرى ولكل ولاية قانون للتعامل مع المستثمر والآن قد انتهت تلك الفروقات.
ودعا الشهري إلى ضرورة الدعم من قبل وزارة التجارة السعودية، والعمل على تنشيط عملها بما يخدم المستثمر في بلد الاستثمار، خاصة أن اتجاه المستثمرين الزراعيين إلى الاستثمار في الخارج جاء نتيجة مبادرة خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز لتشجيع الاستثمار الزراعي في الخارج، والتي تهدف إلى المساهمة في تحقيق الأمن الغذائي الوطني والعالمي، وبناء شراكات تكاملية مع عدد من الدول في مختلف أنحاء العالم.
وتصيبك الحسرة إذ تتساءل أين السودان من هذا؟, وهو الذي كان يدخر سلة لغذاء العالم, فإذا هو عاجز حتى عن إطعام نفسه, يشكو مواطنوه مر الشكوى من غلاء فاحش "كالعير في البيداء يقتلها الظمأ والماء على ظهورها محمول", وأعجب من ذلك أن ربع فاتورة الواردات تذهب لاستيراد الغذاء من موارد نقد أجنبي شحيحة.
هل من فشل وسوء إدارة أسوأ من ذلك, وقد أقر مسؤول سوداني رفيع ذات مرة ان المملكة العربية السعودية حين ابتعثت وفداً فنياً إلى السودان ضمن دول آخرى لترتيب أولويات الدول التي ترغب السعودية للاستثمار فيها, عاد ليضع السودان في ذيل تلك الدول المستهدفة بالاستثمار السعودي بسبب سوء بيئة الاستثمار فيه, ومع ذلك لم تتحرك الحكومة لفعل موجب وهي مدركة لذلك متفرجة ولا في عجلة من أمرها, وفي عالم أصبحت الدول حتى الكبرى منها تتسابق لاجتذاب رؤوس الأموال الأجنبية للاستثمار فيها بقي السودان مغرداً خارج السرب لأنه لا يزال مصراً على إدارة الشأن الاقتصادي بعقلية الفهلوة والهتافات الفارغة المضمون التي لم تفلح في إدارة الشان السياسي وكان عاقبتها خسراً وها هي تنعكس وبالاً على إدارة الاقتصاد المنكوب بسوء السياسات وسوء الإدارة واستشراء الفساد.
ويشكل الفرق بين إثيوبيا والسودان حالة دراسة فريدة ومفارقات لا تنتهي, فالاستثمارات السعودية الضخمة لم تعرف طريقها إلى إثيوبيا إلا في غضون السنوات القليلة الماضية بفضل الإدارة الفعالة للاقتصاد في إثيوبيا والذي جعلها تتفوق بكثير على السودان على الرغم من كل مميزاته التفضيلية بسبب العجز الحكومي عن الإدارة الناجعة للاقتصاد, صحيح أن هناك بعض الاستثمارات السعودية في السودان لكنها بأي حال لا تقارن بحجمها في إثيوبيا, وقد حاولت الوقوف على تفاصيل الاستثمارات السعودية في السودان لكن هالني مدى غياب المعلومات وتضاربها ما هو متوفر منها, فضلاً عن أن هذه الاستثمارات على قلتها في السودان تعاني الأمرين وأصبحت طاردة لدرجة ألا أحد يفكر بالتورط بالاستثمار في بلد يعجز مسؤولوه عن تحريك طاقاته الكامنة الضخمة.
من الواضح أن الأزمة الاقتصادية الخانقة التي يعانيها السودان ليست سوى انعكاس لأزمة الحكم السياسية, ولا صلاح لأحدهما إلا بالآخر, وما من حل إلا بإصلاح سياسي شامل وتغيير جذري في إدارة شأن الحكم.

عن صحيفة إيلاف السودانية
26 سبتمبر 2011

الخرطوم والعالم يتفرجان على حال الاقتصاد

ما كان السيد وزير الخارجية في حاجة لنفي ما أوردته "رويترز" على لسانه عند لقائه بالصحفيين عقب اجتماعه بوزير الخارجية الفرنسي آلان جوبيه في باريس مساء الخميس الماضي لبحث مسألة ديون السودان الخارجية وتخفيف وطأتها على اقتصاد البلاد المتداعي بعد التقسيم, خاصة أن خدمة هذه الديون تراكمها سنوياً بنحو مليار دولار.
ما أزعج الوزير ان صحف الخرطوم تواطأت على تلقف مانشيتاً ساخناً من تصريحاته مستلة تعبير"العالم يتفرج واقتصاد السودان ينهار", وله العذر في انزعاجه ومحاولة تدارك الأمر, فالحرج السياسي في هذه الإفادة لا تخطئه العين خاصة في خضم الأوضاع الاقتصادية والسياسية الخانقة التي تعيشها البلاد منذ أن اعتمر الجنرال سلفا كير ميارديت قبعته الشهيرة ورحل بالجنوب إلى دولة مستقلة, تاركاً الشمال متخبطاً في أتون أزماته لا يكاد يفيق من أحدها حتى تعاجله آخرى, ويبدو أن الخرطوم اكتشفت بعد خراب سوبا أن الجنوب الذي استهانت بأمره أعظم شأناً وأبعد أثراً مما كان يتخيله عتاة الانفصاليين الشماليين وتابعيهم بغير إحسان الذين زين لهم ظن آثم أنه يكفي لإدارة شأن الدول توفر "الحلاقيم الكبيرة والشعارات المزيفة والأماني الكذوب" وليس عصارة أفكار وأعمال دهاقنة الاستراتيجيين والمخططين ورجال الدولة المرموقين المدركين أن "المصالح الوطنية" ورعايتها مسألة مصيرية ذات خطر في حياة الأمم لا ينبغي أن تصبح سداح مداح في سوق اللغو السياسي وفي أيدي الهواة.
ما كان وزير الخارجية محتاجاً للنفي, على الرغم من الحرج السياسي الذي لحقه, ببساطة لأن لسان الحال أبلغ من أي مقال, فالنفي لا يغير من حقيقة أن الاقتصادي السودان يواجه شبح الانهيار, ربما كانت كلمة انهيار ثقيلة الوقع على الآذان, حسنأ لنستخدم كلمة آخرى أخف وطأة ومع ذلك ما تغير وصف الحال المأزقي الذي لم يعد مجرد ارهاصات وطلاسم حول خطورة تدهور أداء الاقتصاد الكلي طالما حذر الخبراء والمحللون ومؤسسات دولية من وقوعها قبل سنوات ولا حياة لمن تنادي, بل باتت أزمة خانقة شاخصة تدق بعنف حياة كل سوداني في حياته اليومية, يشكو من بأسها الميسورون بأكثر مما يفعل رقيقو الحال ذوي الدخل المحدود, والذين لا يسألون الناس إلحافاً.
ما كان ينقص تصريح وزير الخارجية من إفادة ليكتمل الوجه الآخر للحقيقة أن ما يقف متفرجاً حقاً على انهيار الاقتصاد السوداني, ليس العالم فحسب, بل من عجب نظام الحكم في الخرطوم, فإن كان للدول النافذة حساباتها ومصالحها في الوقوف متفرجة تتغاضي عن إنقاذ الاقتصادي السودان على الأقل بالتخفيف من حجم الدين الخارجي الكبير الذي يثقل كاهله دعك من تقديم يد العون له وهو يدفع فاتورة باهظة جراء تسليم الحكومة بتقسيم البلاد, ليس مجاناً فحسب بل بالقبول به دون تبصر في عواقبه الوخيمة التي تنذر بذهاب ريح ما تبقى منه, إذا كان ذلك كذلك فما بال نظام الحكم وقف, ولا يزال, متفرجاً عاجزاً عن فعل ما يستوجب درء الخطر الداهم وما كان ذلك أمراً خفياً أو غير معلوم لأركان الحكم.
وقف الحكم متفرجاً حين كان بيده أن يستخدم أقوى ورقة بيده, ربط الموافقة على إجراء الاستفتاء والقبول بنتيجة الانفصال الذي كانت محتوماً بوفاء المجتمع الدولي بتعهداته التي أقر بها وهو يسوق الخرطوم سوقاً إلى توقيع اتفاقية السلام الشامل, وإلى تنفيذها حتى تحقيق أخطر بنودها, تعامل نظام الحكم بخفة مع استحقاقات تسوية نيفاشا الخطيرة منتظراً أن تتحلى القوى الكبرى ب"الأخلاق الحميدة" وتفي بوعودها المبذولة لوجه الله, ولماذا تمنحك مقابلاً ما دمت مستعداً للخضوع لمطالبها مجاناً, أليس غريباً ومثيراً للتساؤل والحيرة ألا يستفيد الحكم من تجربته في التعاون اللامحدود مع واشنطن في حربها على الإرهاب وأعطت ولم تستبق شيئاً وتجاوزت كل الخطوط الحمراء ورضيت من الغنيمة بالإياب صفر اليدين, أو أن ذلك أنجاها من غضبة ضربة امريكية عسكرية كما حاول عراب ذلك التعاون تبريره لاحقاً.
لقد أبدى وزير الخارجية دهشته أن العالم يقف متفرجاً على تداعي الاقتصاد السوداني "على الرغم من أنه لم يعارض تقسيم البلاد", ولكن هل كان على العالم أن يفاوض نفسه نيابة عن الحكومة السودانية ويدافع عن مصالحها لأنها ببساطة لم تفعل ذلك, منتظرة أن تتبرع العواصم الكبرى بذلك من تلقاء نفسها؟!
لا يخرج الأمر من أحد احتمالين, إما عدم وجود رؤية لاستراتيجية واضحة للأمن القومي تستتبعها غفلة وقلة كفاءة وخبرة وعجز عن إدارة المصالح الوطنية والمسألة هنا لا تتعلق بأداء وزارة الخارجية بل بنظام الحكم كله, والاحتمال الثاني أن الحكم يستصغر من شأن الأوراق التي يملكها ويخشى من إثارة غضب الدول الكبرى وعواقب ذلك إن استخدمها لتعديل كفة استحقاقات عملية السلام الخطيرة بما يضمن على الأقل اقتصارها على تقسيم سياسي لا تمتد آثاره الكارثية على الاقتصاد وعلى فرص الحفاظ على وحدة ما تبقى من البلاد.
لا يستطيع الحكم في الخرطوم لوم العالم على تقاعسه عن الحفاظ على مصالح البلاد متحملاً وحده تبعات التقسيم, وما يدعو للاستغراب أنه حتى واشنطن التي يعتبرها نظام الحكم, الشيطان الأكبر وعدوه اللدود على الرغم من تعاونه اللامحدود معها رجاءً في كسب ودها, أقرت في استراتيجية أوباما بشأن السودان التي أعلنها في أكتوبر 2009 بضرورة أن تخلف دولة السودان الموحد دولتان قابلتان للحياة في الشمال والجنوب إن حدث التقسيم, لأن عدم الاستقرار في أي منهما سيؤثر بالضرورة سلباً على الأخرى, بل إن وزيرة الخارجية هيلري كلينتون أعلنت في محاضرة لها بإحدى مراكز صنع القرار الأمريكية العام الماضي, أنه لا يمكن أن يتصور أحد أن يفقد الشمال ثمانين بالمائة من موارده بانفصال الجنوب دون أن يتعرض للانهيار وأنه عطفاً على ذلك فإن مصلحة دولة الجنوب تستلزم أن تتوصل لصيغة لاقتسام النفط مع الشمال تجنبه مخاطر هذه الصدمة.
لكن ذلك كله مر دون أن يستفيد نظام الحكم من الفرص التي أتاحتها تلك المعطيات المهمة في حسابات الإدارة الأمريكية في سودان ما بعد التقسيم, والأدهى من ذلك أن واشنطن التي راودتها شكوك من أن الخرطوم ستمارس هوايتها في "نقض العهود" ولن تسمح بتمرير الاستفتاء والقبول بالتقسيم مما سيبدد كل استثمارها السياسي في عملية السلام, سارعت  في سبتمبر من العام الماضي, قبل اشهر قليلة من موعد الاستفتاء, إلى عرض خريطة طريق على الحكومة السودانية وتضمن العرض الامريكي سياسة حوافز خطوة خطوة  تربط التقدم بإتجاه تنفيذ الاستفتاء والقبول بنتائجه وصولاً إلى تطبيع العلاقات بين البلدين في خاتمة المطاف والذي تعتبره الخرطوم سقفاً لمطالبها, لقد جاءت الفرصة للخرطوم على طبق من ذهب لتفرض شروطها أخيراً من أجل تحقيق شئ من مطالبها, وكانت المفاجأة أن مفاوضي الحكومة أعادوا على مسامع المبعوث الرئاسي الأمريكي السابق للخرطوم قريشن الذي جاء حاملاً العرض المغري, الاسطوانة المشروخة أن واشنطن ظلت تتهرب من عدم الوفاء بتعهداتها للخرطوم وأنها لم تعد تثق في وعودها, وكانت المفارقة التي ربما ألجمت لسان المبعوث الأمريكي أن المسؤولين في الحكومة السودانية بدلاً من أن يهتبلوا الفرصة التي جاءتهم أخيراً أبلغوه ببساطة أنهم ملتزمون بإجراء الاستفتاء في موعده وبنتائجه بغض النظر عن الوعود الأمريكية معتبرين أن ذلك التزاماً أخلاقياً من جانبهم للوفاء بما تعهدوا به في اتفاقية السلام!!!.
رحم الله الزعيم الراحل أنور السادات فقد انتشاته أسهماً كثيراً حين وقع اتفاقية كامب ديفيد, فإن كان فرط في الدور القومي لمصر على صعيد القضية الفلسطينية فإنه يحسب له أنه لم يفرط في مصالحها الوطنية فقد خرج من تلك الاتفاقية التي فرضتها توازانات القوة الإقليمية والدولية وقتها بمكاسب لبلاده لا تخطئها العين فقد استرد لها أرض سيناء المحتلة, وضمن لها مساعدات أمريكية عسكرية ومدنية بمليارات الدولارات سنوياً, صحيح انه يمكن المجادلة إن كان ذلك ثمناً كافياً يوازي حجم مصر ودورها القومي, لكن المؤكد أن القاهرة لم تصالح إسرائيل سياسياً مجاناً, وتلك هي قواعد لعبة الأمم لا تدار بالصدف ولا بالنيات الطيبة, ولكنها لعبة توازنات ومصالح يتقنها من يرتقون فعلاً لمصاف دهاقنة رجال الدولة, وتلك هي طبيعة الاشياء ونواميس الكون لا أحد ضعيف على الإطلاق, ولا أحد قوى على الإطلاق, فللقوة حدود أيضاً, ولكن الفرق يأتي من براعة الساسة والحكام في فهم قواعد اللعبة والحذق في ممارستها.
ولئن كان ذلك تفرجاً من الحكم وهو يبدد أهم أوراق قوته في دهاليز السياسة الدولية مشترياً تقسيم السودان بثمن باهظ, مبدداً وحدة البلاد ليس مجاناً فحسب بل أصبح يتعين عليه أن يدفع اغلى من عنده ليشتري بضاعته بدلاً من أن يبيعها فإن لم يكن من ذلك بد, إن جاز التشبيه والتعبير, ألم تكن تستحق عائداً مجزياً. فالحفاظ على حدة السودان لم تكن أبداً مسألة عاطفية ولكنها في صلب معادلات وحسابات أمنه الوطني الحقيقية, إن كان هناك وعي بها أصلاً, فهل يعقل أن تطفئ النار في حوش دارك ليكون البديل إشعالها داخل غرفة نومك؟!!!.
سيظل العالم يتفرج, بمن فيهم من يحسبهم نظام الحكم من حلفائه وأصدقائه, ليس فقط على الاقتصاد السوداني ينهار, بل والنظام نفسه يتداعى, لأنهم يرونه بأعينهم يدمن التفرج على أزمات البلاد, ويعيد إنتاجها ببراعة لا يحسد عليها, ولماذا لا يحدث ذلك والطاقم الحاكم بعد أكثر من عشرين عاماً لا تزال شهيته للبقاء في السلطة مفتوحة, لم تلهمه تجارب مريرة ولم تسعفه السنوات الطوال ان يتعلم شيئاً أو ينسى شيئاً, مستكثراً أن يفسح المجال لدماء جديدة ذات كفاءة وقدرات حتى من داخل حوش حزبه, دعك أن تسمح طبقة السلطة المنغلقة بفتات لمن هم خارجه. فمن أين يأتي الرجاء في الإصلاح!!!.
ولا يزال الحكم يتفرج والاقتصاد ينهار, حتى وهو يحذر بالثبور وعظائم الأمور بمضاربين أنحى عليهم باللائمة في محنة الاقتصاد الحالية, وهو أمر لا يعدو أن يكون مجرد هروب من الأسباب الحقيقية المرة لهذه الزلزال الاقتصادي الذي غشي كل دار, فالمشكلة ليست هي غلاء الاسعار ولا انفلات التضخم من عقاله ولا حتى الانهيار السريع لقيمة العملة الوطنية, فهذه كلها مجرد أعراض ونتائج وليست أسباب, وما تحاول الحكومة فعله لتدارك الأمر لا يعدو ان يكون جرياً وراء سراب, وعلاج لمظاهر لا لأسباب المرض, المشكلة الحقيقية هي أننا نواجه الآن نتائج الإدارة الكارثية للاقتصاد الوطني على مر السنوات الماضية, المسالة ببساطة هل لديك وفرة إنتاج , هل لديك صادرات تستطيع المنافسة, هل لديك استثمارات أجنبية مباشرة يعتد بها, هل لديك توظيف رشيد لموارد البلاد, وقبل ذلك هل لديك استراتيجية اقتصادية خلاقة, هل لديك تخطيط سليم, هل لديك إدارة كفؤة وفعالة قادرة على تحريك قطاعات الإنتاج وموارد البلاد الكامنة, هل لديك شفافية وعدالة ورشد ومكافحة حقيقية للفساد, هل لديك توظيف صحيح لموارد البلاد للصالح العام, إن كان لديك شيئ من هذا فلن تحتاج لإجراءت صارمة ولا جزاءات رادعة ضد أعداء متوهمين في حين يظل الأعداء الحقيقيون حريصون على استمرار الوضع الضي حقق لهم مصالحهم. بيد أن ما هو أهم من ذلك كله لا سبيل لإصلاح اقتصادي حقيقي بدون إصلاح سياسي عميق الجذور.

عن صحيفة إيلاف السودانية
5 أكتوبر 2011

Joomla Templates and Joomla Extensions by ZooTemplate.Com